محمد جمال الدين القاسمي
77
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
ثلاثا وثلاثين . وقد روى ابن جرير هاهنا حديث عباس بن مرداس السلمي في استغفاره صلّى اللّه عليه وسلّم لأمته عشية عرفة . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 200 ] فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ( 200 ) فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ أي : فرغتم من أعمال الحجّ ونفرتم فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً أي : فأكثروا ذكر اللّه ، وابذلوا جهدكم في الثناء عليه وشرح آلائه ونعمائه ، كما تفعلون في ذكر آبائكم ومفاخرهم وأيامهم بعد قضاء مناسككم . وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم فيقول الرجل منهم : كان أبي يطعم ويحمل الحمالات ويحمل الديات . . ! ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم ، فأنزل هذه الآية . وفيها إشعار بتحويل القوم عما اعتادوه ، وحث على إفراد ذكره جل شأنه . ثم أرشد تعالى إلى دعائه - بعد كثرة ذكره - فإنه مظنة الإجابة . وذمّ من لا يسأله إلّا في أمر دنياه وهو معرض على أخراه ، فقال فَمِنَ النَّاسِ أي : الذين نسوا قدر الآخرة وكانت الدنيا أكبر همّهم مَنْ يَقُولُ أي : في ذكره رَبَّنا آتِنا أي : مرغوباتنا فِي الدُّنْيا لا نطلب غيرها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ أي : نصيب وحظ لأنه استوفى نصيبه في الدنيا بتخصيص دعائه به . فالجملة إخبار منه تعالى ببيان حاله في الآخرة ؛ أو المعنى : ما له في الآخرة من طلب خلاق . فهو بيان لحاله في الدنيا وتصريح بما علم ضمنا من قوله : آتِنا فِي الدُّنْيا ؛ أو تأكيد لكون همه مقصورا على الدنيا . وقوله فِي الْآخِرَةِ حينئذ متعلّق ب خَلاقٍ حال منه ؛ وتضمن هذا الذمّ والتنفير عن التشبه بمن هو كذلك . قال سعيد بن جبير عن ابن عباس : كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف فيقولون : اللهمّ ! اجعله عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن . ! لا يذكرون من أمر الآخرة شيئا فنزل فيهم ذلك . وهؤلاء الذين حكى اللّه عنهم - أنهم يقتصرون في الدعاء على طلب الدنيا - قال قوم : هو مشركو العرب . وكونهم لا خلاق لهم في الآخرة ظاهر . إذ لا نصيب لهم فيها من كرامة ونعيم وثواب . وقال قوم : هؤلاء قد يكونون مؤمنين ولكنهم يسألون